الشوكاني
55
فتح القدير
هي التي يتقى بها الشرك بالله ، وقيل كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد والثبات عليه ( وكانوا أحق بها وأهلها ) أي وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار والمستأهلين لها دونهم ، لأن الله سبحانه أهلهم لدينه وصحبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) قال الواحدي : قال المفسرون : إن الله سبحانه أرى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا ، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك ، فلما رجعوا من الحديبية ولم يدخلوا مكة قال المنافقون : والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام ، فأنزل الله هذه الآية ، وقيل إن الرؤيا كانت بالحديبية . وقوله بالحق صفة لمصدر محذوف : أي صدقا ملتبسا بالحق ، وجواب القسم المحذوف المدلول عليه باللام الموطئة هو قوله ( لتدخلن المسجد الحرام ) أي في العام القابل ، وقوله ( إن شاء الله ) تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه كما في قوله - ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله - قال ثعلب : إن الله استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون . وقيل كان الله سبحانه علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه في الحديبية ، فوقع الاستثناء لهذا المعنى قاله الحسن بن الفضل . وقيل معنى إن شاء الله : كما شاء الله . وقال أبو عبيدة : إن بمعنى إذ : يعني إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك ، وانتصاب ( آمنين ) على الحال من فاعل لتدخلن ، وكذا ( محلقين رءوسكم ومقصرين ) أي آمنين من العدو ، ومحلقا بعضكم ومقصرا بعضكم ، والحلق والتقصير خاص بالرجال ، والحلق أفضل من التقصير كما يدل على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره صلى الله عليه وآله وسلم للمحلقين في المرة الأولى والثانية ، والقائل يقول له وللمقصرين ، فقال في الثالثة وللمقصرين ، وقوله ( لا تخافون ) في محل نصب على الحال أو مستأنف ، وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله " آمنين " ( فعلم ما لم تعلموا ) أي ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين ، وهو معطوف على صدق : أي صدق رسوله الرؤيا ، فعلم ما لم تعلموا به ( فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) أي فجعل من دون دخولكم مكة كما أرى رسوله فتحا قريبا . قال أكثر المفسرين : هو صلح الحديبية . وقال ابن زيد والضحاك : فتح خيبر . وقال الزهري : لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية ، ولقد دخل في تلك السنتين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك بل أكثر ، فإن المسلمين كانوا في سنة ست ، وهي سنة الحديبية ألفا وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان عشرة آلاف ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ) أي إرسالا ملتبسا بالهدى ( ودين الحق ) وهو الإسلام ( ليظهره على الدين كله ) أي يعليه على كل الأديان كما يفيده تأكيد الجنس ، وقيل ليظهر رسوله ، والأول أولى . وقد كان ذلك بحمد الله ، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان وانقهر له كل أهل الملل ( وكفى بالله شهيدا ) الباء زائدة كما تقدم في غير موضع : أي كفى الله شهيدا على هذا الإظهار الذي وعد المسلمين به وعلى صحة نبوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ( محمد رسول الله ) محمد مبتدإ ورسول الله خبره ، أو هو خبر مبتدإ محذوف ورسول الله بدل منه ، وقيل محمد مبتدأ ورسول الله نعت له ( والذين معه ) معطوف على المبتدأ وما بعده الخبر ، والأول أولى ، والجملة مبينة لما هو من جملة المشهود به " والذين معه " قيل هم أصحاب الحديبية ، والأولى الحمل على العموم ( أشداء على الكفار ) أي غلاظ عليهم كما يغلظ الأسد على فريسته ، وهو جمع شديد ( رحماء بينهم ) أي متوادون متعاطفون ، وهو جمع رحيم ، والمعنى : أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة ، ولمن وافقه الرحمة والرأفة . قرأ الجمهور برفع " أشداء " و " رحماء " على أنه خبر للموصول ، أو خبر لمحمد وما عطف عليه كما تقدم . وقرأ الحسن بنصبهما على الحال أو المدح ، ويكون الخبر على هذه القراءة ( تراهم ركعا سجدا ) أي